فخر الدين الرازي
264
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
يؤده إليك ونقلنا أيضاً أن الآية نزلت في أن رجلًا أودع مالًا كثيراً / عند عبد اللّه بن سلام ، ومالًا قليلًا عند فنحاص بن عازوراء ، فخان هذا اليهودي في القليل ، وعبد اللّه بن سلام أدى الأمانة ، فثبت أن اللفظ محتمل لكل الأقسام . ثم قال تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ والمعنى إن ذلك الاستحلال والخيانة هو بسبب أنهم يقولون ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل . وهاهنا مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في السبب الذي لأجله اعتقد اليهود هذا الاستحلال وجوهاً الأول : أنهم مبالغون في التعصب لدينهم ، فلا جرم يقولون : يحل قتل المخالف ويحل أخذ ماله بأي طريق كان وروي في الخبر أنه لما نزلت هذه الآية قال عليه السلام : « كذب أعداء اللّه ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي ، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر » الثاني : أن اليهود قالوا نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [ المائدة : 18 ] والخلق لنا عبيد فلا سبيل لأحد علينا إذا أكلنا أموال عبيدنا الثالث : أن اليهود إنما ذكروا هذا الكلام لا مطلقاً لكل من خالفهم ، بل للعرب الذين آمنوا بالرسول صلى اللّه عليه وسلم ، روي أن اليهود بايعوا رجالًا في الجاهلية فلما أسلموا طالبوهم بالأموال فقالوا : ليس لكم علينا حق لأنكم تركتم دينكم ، وأقول : من المحتمل أنه كان من مذهب اليهود أن من انتقل من دين باطل إلى دين آخر باطل كان في حكم المرتد ، فهم وإن اعتقدوا أن العرب كفار إلا أنهم لما اعتقدوا في الإسلام أنه كفر حكموا على العرب الذين أسلموا بالردة . المسألة الثانية : نفي السبيل المراد منه نفي القدرة على المطالبة والإلزام . قال تعالى : ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [ التوبة : 91 ] وقال : وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [ النساء : 141 ] وقال : وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ [ الشورى : 41 ، 42 ] . المسألة الثالثة : ( الأمي ) منسوب إلى الأم ، وسمي النبي صلى اللّه عليه وسلم أمياً قيل لأنه كان لا يكتب وذلك لأن الأم أصل الشيء فمن لا يكتب فقد بقي على أصله في أن لا يكتب ، وقيل : نسب إلى مكة وهي أم القرى . ثم قال تعالى : وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ وفيه وجوه الأول : أنهم قالوا : إن جواز الخيانة مع المخالف مذكور في التوراة وكانوا كاذبين في ذلك وعالمين بكونهم كاذبين فيه ومن كان كذلك كانت خيانته أعظم وجرمه أفحش الثاني : أنهم يعلمون كون الخيانة محرمة الثالث : أنهم يعلمون ما على الخائن من الإثم . ثم قال تعالى : بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ . اعلم أن في بَلى وجهين أحدهما : أنه لمجرد نفي ما قبله ، وهو قوله لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ فقال اللّه تعالى راداً عليهم بَلى عليهم سبيل في ذلك وهذا اختيار الزجاج ، قال : وعندي وقف التمام على ( بلى ) وبعده استئناف والثاني : أن كلمة ( بلى ) كلمة تذكر ابتداء لكلام آخر / يذكر بعده ، وذلك لأن قولهم : ليس علينا فيما نفعل جناح قائم مقام قولهم : نحن أحباء اللّه تعالى ، فذكر اللّه تعالى أن أهل الوفاء بالعهد والتقى هم الذين يحبهم اللّه تعالى لا غيرهم ، وعلى هذا الوجه فإنه لا يحسن الوقف على ( بلى ) وقوله مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مضى الكلام في معنى الوفاء بالعهد والضمير في بِعَهْدِهِ يجوز أن يعود على اسم اللَّهَ في قوله